التكنولوجيا والمجتمع
يدخل الذكاء الاصطناعي «عصر ما بعد الضجيج»: من الاحتفاء التكنولوجي إلى تحوّل بنيوي في الحوكمة العالمية.
تنطلق هذه المقالة من عدة أحداث محورية في مجال الذكاء الاصطناعي في أغسطس 2026، لتحليل كيفية تحول تقنيات الذكاء الاصطناعي من سباق ابتكاري إلى لعبة استراتيجية عميقة تشمل القوى العالمية، والقانون، والمجتمع، والمناخ.
الذكاء الاصطناعي يدخل «عصر ما بعد الضجيج»: من الصخب التقني إلى تحوّل بنيوي في الحوكمة العالمية
في هذا الأسبوع من شهر أغسطس 2026، رسمت سلسلة من الأخبار التي تبدو غير مترابطة ظاهريًا، مجتمعةً، نقطة تحوّل كثيرًا ما يُغفل عنها في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد اكتشف بائعو الكتب المستعملة في بريطانيا وأيرلندا ظهور كميات كبيرة من الطلبات «الغريبة» بالجملة في السوق — حيث تشتري جهات مجهولة كتبًا قديمة بشكل مركّز، وأشارت التحقيقات اللاحقة إلى أن ذلك مرتبط بعمليات جمع بيانات تخص شركات الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، حذّرت الشرطة الاسكتلندية علنًا من أن مراكز البيانات المزمع إنشاؤها قد تواجه «تهديدات أمنية قوية»، ومن المتوقع أن تلقى «معارضة عامة واسعة».
هذه الأحداث المتناثرة، التي تبدو على السطح مجرد تموجات يومية في الدورة التقنية، تعكس في حقيقتها تحوّلًا بنيويًا أعمق: فالذكاء الاصطناعي ينتقل من احتفاء تقني خالص إلى «عصر ما بعد الضجيج»، حيث يصطدم بعنف مع العالم الحقيقي. وفي هذه المرحلة، لم يعد في الإمكان إخفاء التناقضات العميقة المتعلقة بالبيانات والطاقة والقانون والتوظيف والثقافة والجغرافيا السياسية خلف السرديات المتفائلة التي يروّج لها وادي السيليكون.
أولًا: حرب البيانات: «حركة تسييج الأراضي» للذكاء الاصطناعي
كشفت الطلبات غير المعتادة في سوق الكتب المستعملة عن واقع طال تجاهله: لقد دخل طلب شركات الذكاء الاصطناعي على البيانات مرحلة توسع شبه مرضي. فمع اقتراب النصوص العامة القابلة للالتقاط على الإنترنت من النفاد، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي تتوسع نحو العالم المادي — الكتب والدوريات وحتى كل ما هو مطبوع. ووفقًا للتقارير، أنفقت شركة Anthropic ملايين الدولارات على شراء الكتب ومسحها ضوئيًا فيما يسمى «الحصول على البيانات». وهذه ليست حالة معزولة، بل هي صورة مصغّرة لموجة جديدة من «حركة التسييج» — لكن موضوع التنافس تحوّل من الأرض إلى التراث المعرفي الجماعي للبشرية.
ومن هنا يُطرح سؤال جوهري: هل ينبغي لقلّة من عمالقة التكنولوجيا أن تستوعب مجمل معارف الحضارة الإنسانية؟ فعندما تُمسح الكتب ضوئيًا وتُدخل في مجموعات بيانات التدريب، فإنها تتوقف عن كونها تراثًا ثقافيًا خالصًا، وتتحول إلى أصول أساسية لنماذج الذكاء الاصطناعي. لقد أصبحت حدود حقوق النشر وحقوق المؤلفين وملكية المعرفة العامة غامضة بشكل غير مسبوق في جولة البيانات الجديدة هذه. فبينما لا يزال المنظمون في العالم غير مستعدين للإجابة عن هذه الأسئلة الصعبة، تكون شركات التكنولوجيا قد سبقتهم بعدة خطوات واسعة.
ثانيًا: «مأزق نيمبي» في البنية التحتية
يُظهر قلق الشرطة الاسكتلندية بشأن أمن مراكز البيانات وجهًا آخر لثورة الذكاء الاصطناعي. فاحتياجات الذكاء الاصطناعي من القدرة الحاسوبية تدفع مراكز البيانات حول العالم إلى التوسع المحموم، لكن هذه المنشآت غالبًا ما تصطدم باحتكاك حاد مع المجتمعات المحلية في كل مكان تحل فيه. فمركز البيانات المقترح بالقرب من إدنبرة يُتوقع أن يثير «معارضة عامة واسعة». وهذه ليست ظاهرة معزولة — فمن أوروبا إلى آسيا، ومن الولايات المتحدة إلى أمريكا اللاتينية، أصبحت مسائل استهلاك المياه والكهرباء والأراضي والأثر البيئي لمراكز البيانات تشكّل ساحة معركة سياسية جديدة.
والأكثر إشكالًا هو البعد الأمني. فالشرطة تعتبر صراحةً مراكز البيانات أهدافًا محتملة للهجوم، وهو ما يعني أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد أصول تجارية، بل أصبحت بنية تحتية حيوية تتعلق بمصير الدولة نفسه. وإذا ما أصبحت مراكز البيانات هدفًا للإرهاب أو لهجمات انتقامية بين الدول، فقد يُصاب الجهاز العصبي المعلوماتي للمجتمع بأسره بالشلل. ومثل هذا المستوى من الهشاشة لم يظهر بهذا الحجم في أي جيل سابق من التقنيات العامة.## ثالثًا: أسطورة دمقرطة الذكاء الاصطناعي وواقع السلطة
في ظل تصاعد القلق العام، نشر مارك زوكربيرغ مقالًا طويلًا يبلغ نحو ستة آلاف كلمة، أعلن فيه أن «الذكاء الاصطناعي الفائق» يجب أن يكون «للجميع»، وأصدر في الوقت نفسه نموذج ميتا مفتوح الأوزان. ظاهريًّا، هذا بشرى لدمقرطة الذكاء الاصطناعي؛ لكن في نظر النقّاد، هو بالضبط تغليف آخر لأجندة الاحتكار.
سردية «امتلاك الجميع للذكاء الاصطناعي» تتعمّد إخفاء سؤال جوهري: من يتحكم فعليًا في النماذج الأساسية؟ من يستفيد من نشرها؟ من يستطيع تقييد حدود استخدامها؟ صحيح أن النماذج مفتوحة الأوزان خفّضت حاجز الاستخدام، لكنها لم تغيّر البنية الأساسية للسلطة. قوة الحوسبة والبيانات والطاقة والمواهب اللازمة لتدريب الذكاء الاصطناعي لا تزال متركّزة بشدة في أيدي عدد قليل جدًا من عمالقة التكنولوجيا. وأشار كاتب الجارديان رافي كريكوريان في مقاله إلى أن الأمر الأساسي لم يعد «هل الذكاء الاصطناعي ملك للجميع؟»، بل «من يملكه فعلًا؟».
التناقض الأعمق يظهر بوضوح في منطق السوق. حتى إن الناقدين بروس شنايدر وناثان ساندرز اقترحا أنه إذا لم يتمكن OpenAI وAnthropic من الحصول على قبول السوق، فيتعين على الولايات المتحدة تأميمهما. هذا الطرح الذي يبدو متطرفًا يعكس واقعًا جديدًا: الأصول الأساسية للذكاء الاصطناعي قد تكون بطبيعتها ذات صفة عامة، والنظام المؤسسي القائم غير قادر على تسعير آثارها الخارجية. عندما تحمل تقنية ما أبعادًا استراتيجية وأمنية واجتماعية متعددة، يصبح ما إذا كان السوق قادرًا على تخصيص الموارد بكفاءة معضلة حوكمة عالمية.
رابعًا: أزمة العمالة «المخالفة للتوقعات»
لأعوام طويلة، روّج السرد السائد أن الذكاء الاصطناعي سيدمّر أعدادًا هائلة من الوظائف. لكن بحلول عام 2026، يُظهر الواقع صورة مختلفة تمامًا — عنوان عمود في الجارديان يسأل بصراحة: «كان على الذكاء الاصطناعي أن يدمر الوظائف، فأين ‹المجزرة›؟» لم يسجّل معدل البطالة الانهيار الحاد الذي تنبّأت به النبوءات، لكن هذا لا يعني إطلاقًا أن سوق العمل بخير.
ما نراه هو إعادة هيكلة خفية لبنية التوظيف. الشبان العاطلون عن العمل يُرسَلون إلى معسكرات تدريب على الذكاء الاصطناعي؛ وهذا أشبه بتكيّف سلبي لسوق العمل تحت الصدمة التكنولوجية أكثر منه إعدادًا لوظائف مستقبلية جديدة. الوظائف لم تختفِ، لكن أشكالها وأجورها واستقرارها تشهد تغيّرات عميقة. الذكاء الاصطناعي لا يقضي دفعة واحدة على أعداد كبيرة من الوظائف، بل يغيّر ببطء توزيع المهام، وتقييم الأداء، وعلاقات العمل. هذا التآكل المزمن أصعب في التعامل من «البطالة التكنولوجية» المفاجئة، لأنه لا يمكن عكسه بسرعة عبر تشريع معيّن، بل لا بد من استيعابه من خلال إعادة بناء طويلة ومنهجية لنظام الضمان الاجتماعي.
خامسًا: الفراغ القانوني والأخلاقي
عندما اتُّهم مراهق في ولاية ماساتشوستس باستخدام ChatGPT لقتل أمه وشقيقه، انتقلت مسألة مسؤولية الذكاء الاصطناعي من التأمل الفلسفي إلى سكين الواقع الحاد في المحكمة الجنائية. في الوقت نفسه، أبلغت أستراليا عن أول حادثة قرصنة آلية يسبّبها وكيل ذكاء اصطناعي، وأشار خبراء فورًا إلى أن وكيل الذكاء الاصطناعي لا يتحمّل مسؤولية قانونية عن أي ضرر يتسبّب به — فالمسؤولية تقع في النهاية على من نشره، بل وحتى على المطوّرين.هذا يكشف عن فراغ قانوني مقلق. بُنيت أنظمتنا القانونية على حجر الأساس «الفاعل البشري»، لكن استقلالية أنظمة الذكاء الاصطناعي وعدم قابلية توقعها تهزّان هذا الأساس. سواء تعلق الأمر بحوادث القيادة الذاتية، أو التمييز الخوارزمي، أو تجاوزات وكلاء الذكاء الاصطناعي، تجد القواعد الحالية صعوبة في تحديد المسؤولية بدقة. يواجه المشرّعون حول العالم مهمة عاجلة: كيف يمكن، مع الحفاظ على زخم الابتكار، بناء مجموعة قواعد جديدة قادرة على الأقل على تحديد جهة المسؤولية بوضوح؟
سادسًا: مفارقة المناخ: القناع الأخضر للذكاء الاصطناعي
والأكثر إثارة للتنبيه هو أن دراسة حديثة وجدت أن الفوائد المناخية المحتملة للذكاء الاصطناعي تُلغى بفعل دوره في تعزيز الوقود الأحفوري. كان يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسّن إدارة الطاقة ويسرّع اكتشاف مواد جديدة، لكن استهلاكه الهائل للكهرباء يدفع شبكات الطاقة إلى مزيد من الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية. ناهيك عن أن شركات النفط والغاز تستخدم الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة التنقيب، مما يطيل عمر استخراج الوقود الأحفوري بشكل غير مباشر.
هذه المفارقة تكشف القصور الجوهري في الحلول التقنية: الذكاء الاصطناعي ليس أداة محايدة، بل إن اتجاه تطوره واستخداماته يتوقفان على الخيارات السياسية والاقتصادية للبشر. فعندما تخفي سردية «الذكاء الاصطناعي الأخضر» الجغرافيا السياسية للطاقة الكامنة خلفها، وعندما يتم توسيع الذكاء الاصطناعي على حساب أهداف المناخ، فإن استدامة هذا «التطور» ذاته تستحق أن تُساءَل مرارًا وتكرارًا.
سابعًا: الموسيقى والثقافة والتآكل الاجتماعي في أماكن أخرى
قررت منصة سبوتيفاي التمييز بين الفنانين الذين ينتجهم الذكاء الاصطناعي والفنانين الحقيقيين، والتوقف عن التوصية بأعمال الذكاء الاصطناعي، وهو ما يبدو ظاهريًا استجابة لاحتجاجات منتجي الموسيقى، لكنه في الواقع يعكس قلقًا ثقافيًا أعمق. «أشعر وكأنني أخوض حربًا» — هكذا يصف أحد الموسيقيين مواجهته مع الموسيقى المولّدة آليًا. يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل القواعد الأساسية للإنتاج الثقافي: عندما يمكن توليد الموسيقى بلا حدود، كم تبقى من قيمة للأصالة؟ وعندما تستطيع الخوارزميات محاكاة الأسلوب، أين يقع «المؤلف»؟
هذه الاحتكاكات الثقافية التي تبدو هامشية هي في الواقع مشهد مصغّر لتكيّف المجتمع بأكمله مع صدمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتغلغل الذكاء الاصطناعي بعمق في مجال الإبداع البشري، لا نحتاج فقط إلى إعادة تعريف «الفنان»، بل أيضًا إلى إعادة التفكير في معنى «المساهمة البشرية الفريدة».
الخاتمة: من دورة الضجيج إلى دورة الحوكمة
على مدى العقد الماضي، أكملنا دورة كاملة من ضجيج الذكاء الاصطناعي — من «ثورة التعلم العميق» إلى «نشوة الذكاء الاصطناعي التوليدي»، ومن «تغيير العالم» إلى «إعادة بناء كل شيء». واليوم، ينحسر الضجيج وتبدأ جاذبية الواقع في الظهور.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أسطورة مستقبلية يكتب عنها صحفيو التكنولوجيا، بل أصبح نقطة التقاء حاسمة للقضايا السياسية والاقتصادية والقانونية والأخلاقية والثقافية والمناخية. نحن ندخل «عصر ما بعد الضجيج»، الذي لا تتمثل سماته في ركود تقني ولا في قفزة طوباوية، بل في احتكاك عنيف بين نضج التقنية وتأخر المؤسسات.
بالنسبة لصنّاع القرار في العالم، لم يعد السؤال الملحّ هو «ماذا يمكن أن يفعل الذكاء الاصطناعي؟»، بل مواجهة مباشرة لأسئلة: «من المسؤول عن الذكاء الاصطناعي؟» و«كيف يمكن للمجتمع أن يتعايش مع الذكاء الاصطناعي؟» و«ما الحدود التي لا يجوز تجاوزها؟». لا توجد إجابات سهلة لهذه الأسئلة، لكن ثمن تجاهلها سيكون أكثر إيلامًا في المستقبل.من إدنبرة إلى بوسطن، ومن المكتبات المستعملة إلى مواقع بناء مراكز البيانات، يتعلم البشر بطريقة خرقاء لكنها في نهاية المطاف لا مفر منها، التفاوض مع هذا الشريك الذي يفوق أي أداة قوةً. وستُحدِد نتيجة هذه المفاوضات الملامح الأساسية للنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.
السجل والحدود · obsrpost
تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.