أبرز الأخبار
الحرب الأهلية السودانية: انهيار الدولة في عصر العولمة وإعادة تشكيل النظام الجيوسياسي
أصبحت الحرب الأهلية السودانية أسوأ كارثة إنسانية في العالم. يحلل هذا المقال من منظور بنيوي كيف تطوّر هذا الصراع من صراع على السلطة إلى انهيار الدولة، بما يعكس أزمات متعددة في سلاسل الإمداد العسكرية الخاصة، والتنافس الجيوسياسي الإقليمي، ونظام الحوكمة الدولي.
الحرب الأهلية في السودان: انهيار دولة معولَمة وإعادة تشكيل النظام الجيوسياسي
عندما داست دبابات القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) شوارع الخرطوم في أبريل 2023، لم يتوقع الكثيرون أن هذا الصراع، الذي بدا وكأنه انقلاب عسكري أفريقي آخر، سيتحول بعد ثلاث سنوات إلى أسوأ كارثة إنسانية في العالم. وتُظهر سجلات متعقب النزاعات العالمية التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) أن الحرب السودانية لم تعد مجرد اقتسام لغنائم السلطة بين جنرالين، بل أصبحت نافذة لمراقبة هشاشة النظام الدولي المعاصر: سلاسل توريد الأسلحة الخاصة، ومناورات القوى الإقليمية، واتهامات الإبادة الجماعية، وإفلاس الوساطة الدولية، تتراكم جميعها في رقعة واحدة.
لم تنطفئ نيران الحرب في السودان باستعادة القوات المسلحة السودانية (SAF) للعاصمة. فقد انكمشت قوات الدعم السريع (RSF) إلى دارفور، وواصلت حصار الأبيض، وهددت بشن هجوم مضاد على الخرطوم. والبلاد تغرق في «توازن قوى غير مستقر»، وهذا التوازن بحد ذاته موت بطيء.
أولاً: من الإرث الاستعماري إلى اقتصاد أمراء الحرب: الانهيار المزمن لبنية الدولة
لفهم الحرب الأهلية السودانية، يجب تتبّع العيوب المؤسسية التي رافقت الاستقلال. فبعد الاستقلال في عام 1956، ورث السودان البنية غير المتوازنة القائمة على مبدأ «حكم الشمال للجنوب» من الحقبة الاستعمارية، وهو ما أدى مباشرة إلى حربين أهليتين مدمرتين وإلى استقلال جنوب السودان في عام 2011. ولم يحل تقسيم البلاد التناقضات الجوهرية، بل أدى بدلاً من ذلك إلى تشكيل «مركب عسكري-سياسي-تجاري» في الشمال يتمحور حول الخرطوم.
رسّخ حكم عمر البشير هذا النمط أكثر. فمن ناحية، طبق الشريعة الإسلامية بصرامة، ومن ناحية أخرى، دعم الميليشيات العربية الموالية له، «الجنجويد»، لقمع المجموعات العرقية غير العربية في دارفور وغيرها من المناطق. وأصبحت حرب دارفور التي اندلعت عام 2003، واتهامات الإبادة الجماعية التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية لاحقاً، علامة على إفلاس شرعية الدولة السودانية.
بعد سقوط البشير، لم يكن «مجلس السلطة الانتقالية»، الذي تشكل عبر انقلاب 2019، في جوهره سوى إعادة خلط لأوراق النخبة العسكرية. تقاسم البرهان وحميدتي السلطة لفترة وجيزة، لكنهما لم يبنيا مؤسسات دولة حقيقية أبداً. وفي عام 2021، أطاح المجلس العسكري برئيس الوزراء المنتخب حمدوك، مما أعلن فعلياً فشل الانتقال السياسي. وفي أبريل 2023، انفجر الخلاف بين الرجلين أخيراً في حرب مفتوحة.
هذه ليست مجرد مسألة طموحات شخصية، بل فشل دولة في إكمال التحول المؤسسي من الهامش الاستعماري إلى دولة مستقلة. فالتاريخ الحديث للسودان هو تاريخ «التطفل على السلطة»؛ فالجيش والميليشيات وأصحاب النفوذ المحليون يحصلون على الريع من خلال السيطرة على الذهب والنفط والتجارة الحدودية، بدلاً من بناء الدولة. وعندما تتصارع مجموعات المصالح فيما بينها، يتحول جهاز الدولة نفسه إلى ساحة معركة.
ثانياً: عولمة سلاسل الإمداد العسكرية الخاصة: طائرات بوينغ للشحن والمرتزقة عبر الحدود
من أكثر سمات الحرب الأهلية السودانية إثارة للقلق الحدود الضبابية بين أنظمة الأسلحة التابعة للقوى الكبرى والشبكات التجارية الخاصة. وتُظهر سجلات مجلس العلاقات الخارجية (CFR) أن فريق خبراء الأمم المتحدة اكتشف أن ثلاث طائرات شحن من طراز بوينغ 727، المرتبطة بالشبكة التجارية للمقاول العسكري الأمريكي ستيفن شوليس، استُخدمت لنقل مرتزقة وأسلحة وطائرات مسيّرة لصالح قوات الدعم السريع (RSF). أقلعت هذه الطائرات من مطار في تشاد، وهبطت في مراكز لوجستية تابعة لقوات الدعم السريع في ليبيا والصومال والسودان.يكشف هذا عن شبكة "اقتصاد حرب" عالمية: المساعدات العسكرية التي كانت تقودها الدول خلال الحرب الباردة، حلّت محلها الآن شركات عسكرية خاصة موزعة ومحطات عبور وأساطيل ظل. إن قدرة RSF على الحفاظ على قدرتها القتالية لهذه المدة الطويلة لا تعود فقط إلى عائدات مناجم الذهب في دارفور، بل تعتمد أيضًا على سلاسل الإمداد الرمادية الإقليمية والعالمية.
هذا النمط ليس حصريًا على السودان، لكن السودان يقدم نموذجًا متطرفًا. عندما يعتمد كل من الجيش والميليشيا في بلد ما على موارد خارجية وقنوات خاصة، تصبح عملية السلام صعبة للغاية - لأن كل طرف قادر على الالتفاف على العقوبات الدولية والحصول على الأسلحة من السوق العالمية. وهذا يفسر أيضًا لماذا فشلت جولات الوساطة المتعددة من المجتمع الدولي في منع تصعيد الحرب.
ثالثًا، البحر الأحمر والنيل: لعبة جيوسياسية يتجاوز تأثيرها الحدود الوطنية
الموقع الجغرافي للسودان يحدد أن نزاعه ليس مجرد شأن داخلي. يقع السودان في المجرى الأدنى لنهر النيل، وهو المنبع المهم لشريان حياة مصر؛ ويطل على البحر الأحمر، بالقرب من أحد أكثر ممرات الشحن ازدحامًا في العالم؛ ويحدّه إثيوبيا وتشاد وليبيا وجنوب السودان وغيرها، وهو نقطة تقاطع بين منطقة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل.
لقد أحدثت هذه الحرب "تأثيرًا خارجيًا". تمر خطوط إمداد RSF عبر تشاد وليبيا، وليبيا نفسها دولة ممزقة بين أمراء حرب في الشرق والغرب. كانت السعودية تعتمد على RSF كمصدر للمرتزقة في حرب اليمن، والآن تخشى أن تهدد الفوضى على الضفة المقابلة للبحر الأحمر سلامة الملاحة. إن المنافسة بين القوى الإقليمية تجعل من المستحيل تقريبًا حل هذه الحرب الأهلية من خلال الآليات الداخلية السودانية.
يشير وصف مجلس العلاقات الخارجية (CFR) إلى أن RSF لا يزال يسيطر على مساحات شاسعة في دارفور، وأن العنف العرقي في المنطقة بات يحمل سمات "الإبادة الجماعية". هذه الدماء المتواصلة تعيد تشكيل خريطة القوى في القرن الأفريقي بأكمله. يتدفق اللاجئون إلى الدول المجاورة، وتنتشر الأسلحة في منطقة الساحل، وتستغل الجماعات المتطرفة فراغ السلطة لإعادة التجمع - السودان يتحول إلى "حزام ناقل للفوضى" جديد.
رابعًا، فراغ الحوكمة العالمية: لماذا يعجز المجتمع الدولي؟
منذ اندلاع الحرب الأهلية السودانية، اعتبر العديد من المراقبين رد فعل الأمم المتحدة "فشلًا كارثيًا". على الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات بالإبادة الجماعية بشأن جرائم دارفور، فإن مجلس الأمن لم ينجح في تشكيل توافق فعال للتدخل. أدى استنزاف القوى الكبرى في أوكرانيا والشرق الأوسط إلى تقليص الاهتمام بأفريقيا، بينما يفتقر الاتحاد الأفريقي إلى الموارد اللازمة لفرض السلام.
الأعمق من ذلك هو فشل نمط الوساطة الدولية. حاولت المشاورات السلمية إعادة طرفي النزاع إلى طاولة المفاوضات، لكن تحالف "تاسيس" المدعوم من RSF رفض المشاركة في محادثات أديس أبابا بدعوى عيوب إجرائية. يعكس هذا أن الإطار السلمي التقليدي لما بعد الحرب الباردة القائم على "من وقف إطلاق النار إلى الانتخابات" أصبح غير فعال في مواجهة "اقتصاد أمراء الحرب". عندما تستطيع الجماعات المسلحة جني أرباح من الحرب أكثر من السلام، فإن أي وساطة تعتمد على الجزرة فقط دون العصا محكوم عليها بالفشل.مأساة السودان تأتي في وقت يشهد فيه نظام الحوكمة العالمي أزمة ثقة. علّق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تخفيف الديون والمساعدات عن السودان بعد انقلاب 2021، مما أظهر توقعات المؤسسات المالية الدولية بشأن الانتقال الديمقراطي، لكن القادة العسكريين الأقوياء تجاهلوا هذا الضغط الاقتصادي تمامًا. إن فراغ العقوبات وفشل آليات التحكم في الأسلحة جعلا من السودان مختبرًا لـ"الحكم الفوضوي".
خامسًا: حرب بلا نهاية: نحو الإطالة والتفتت
وفقًا لتتبع الصراعات لدى مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، تُظهر الأوضاع القتالية في صيف 2026 أن الحرب تدخل مرحلة أكثر فتكًا. شنت القوات المسلحة السودانية (SAF) هجومًا بطائرات مسيّرة على محكمة مدنية في دارفور، ما أسفر عن مقتل 37 شخصًا على الأقل؛ بينما نفذت قوات الدعم السريع (RSF) هجمات انتقامية ضد المدنيين أثناء انسحابها من شمال كردفان. توعد قائد قوات الدعم السريع حميدتي بمهاجمة الخرطوم، بينما تحاول القوات المسلحة السودانية قطع خطوط إمداد قوات الدعم السريع عبر محاصرة دارفور.
هذا النمط ينذر بحرب استنزاف طويلة الأمد ومجزأة. تُستعاد المدن، لكن المناطق الريفية والقاحلة الشاسعة تظل تحت سيطرة الميليشيات. غيّرت الغارات الجوية والطائرات المسيّرة شكل الحرب، لكن السيطرة الأرضية ما زالت تعتمد على التحالفات القبلية التقليدية والشبكات المسلحة. والأخطر من ذلك، أن مشاكل الوصول الإنساني واسعة النطاق قد تجعل المجاعة قاتلًا أفتك من الرصاص — إذ يصنف مجلس العلاقات الخارجية السودان كـ"أسوأ كارثة إنسانية في العالم".
لم تعد الحرب الأهلية السودانية "صراعًا" يمكن حله بسرعة. إنها واقع جديد يتشكل: دولة تقع في شمال شرق أفريقيا، تتحكم في مواقع جغرافية حيوية على النيل والبحر الأحمر، تغرق في تفكك وطني طويل الأمد. وهذا التفكك لن يقتصر على الحدود الوطنية. من سواحل البحر المتوسط إلى القرن الأفريقي، ومن الساحل (الساحل الإفريقي) إلى الخليج الفارسي، كل فاعل يحسب سرًا كيف يجني الفوائد من انهيار السودان، دون أن يكون أحد مستعدًا لتحمل كلفة إعادة الإعمار.
خاتمة: دروس السودان
قصة السودان هي تحذير من كيفية تفكك الدول. إنها تخبرنا أن النظام العالمي القائم على الدول ذات السيادة بعد الحرب الباردة يتآكل الآن بفعل الميليشيات الخاصة والقوى الإقليمية والدول الفاشلة معًا. عندما تتعطل في الوقت نفسه، داخل صراع واحد، القانون الدولي والمبادئ الإنسانية وآليات مراقبة الأسلحة، يصبح أي حديث عن "المجتمع الدولي" فارغًا.
لقد دفع الشعب السوداني أثقل الأثمان مقابل تفتت السلطة. وعلى أنقاض الخرطوم ودارفور والأبيض، يتعين على المجتمع الدولي إعادة التفكير: في عصر أمراء الحرب الخواص المعولمين، كيف نعيد بناء الحوكمة؟ ربما يكون عدم وجود إجابة هو بحد ذاته إجابة — فالعالم القديم ينتهي، والنظام الجديد لم يتشكل بعد.
المصادر: يعتمد هذا التحليل على مدخل "Civil War in Sudan" في متتبع الصراعات العالمي لمجلس العلاقات الخارجية (CFR). النص الأصلي في: <https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/power-struggle-sudan>
السجل والحدود · obsrpost
تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.