أبرز الأخبار
من خلال الحرب الإيرانية، هل تكشف الولايات المتحدة عن سوء تقدير هيكلي لقوتها: انعطافة عالمية أعمق من فيتنام؟
قد تكشف هذه الحرب في الشرق الأوسط، الأقصر زمنًا والأصغر نطاقًا، أوجه القصور الاستراتيجية للقوة العسكرية الأمريكية في عالم مترابط بدرجة عالية، وربما قبل فيتنام، كما قد تدفع الشرق الأوسط والتحالفات الأمنية والسياسة الأوروبية والنظام العالمي إلى جولة جديدة من إعادة التشكل.
من الحرب الإيرانية نرى سوء تقدير بنيوي في قوة الولايات المتحدة: هل هي انعطافة عالمية أعمق من فيتنام؟
إذا كانت حرب فيتنام قد استنزفت الثقة السياسية الداخلية الأمريكية، فإن هذه الحرب الإيرانية الأقصر أظهرت مشكلة في طريقة استخدام الولايات المتحدة للقوة في عالم شديد الترابط. قد لا تمزق المجتمع الأمريكي كما فعلت فيتنام، لكنها قد تهز، وبوتيرة أسرع، حكم العالم الخارجي على القدرة الاستراتيجية الأمريكية.
والسبب في ذلك أن الحرب المعاصرة لم تعد مجرد انتصار أو هزيمة في ساحة القتال، بل أصبحت حدثًا نظاميًا يفرض ضغوطًا متزامنة على الطاقة والمال والتحالفات وسلاسل الإمداد والرأي العام والسياسة الداخلية. كانت القوى العظمى التقليدية في الماضي تستطيع أن تؤمن بأن الضربات الجوية، والتصعيد عبر الردع، وتصورات تغيير النظام، كلها قادرة على إنتاج نتائج يمكن التحكم فيها؛ لكن في اليوم الحاضر، أي منطق عسكري أحادي المسار يصبح أكثر عرضة للارتداد على نفسه داخل الشبكات المعقدة.
وهذا أيضًا هو أكثر ما ينبغي الحذر منه في هذه الحرب: فهي ليست فشلًا واحدًا، بل تراكمًا لعدة إخفاقات. عسكريًا، لم تُنتج نتيجة حاسمة؛ سياسيًا، لم تُشكّل ترتيبًا مستدامًا للنظام؛ دبلوماسيًا، أضعفت ثقة الخارج بقدرة الولايات المتحدة على الوساطة؛ وجيو-اقتصاديًا، أعادت ممرات الطاقة ومخزونات التسليح والتكاليف المالية إلى مناطق حساسة في السوق العالمية.
لا تزال الولايات المتحدة قوية، لكنها باتت تجد صعوبة متزايدة في “حل المشكلات بالقوة”
على مدى العقود الماضية، تأسست الميزة الاستراتيجية الأمريكية على قدرتين: الأولى هي نقل القوة النارية لمسافات بعيدة، والثانية هي تشكيل النظام بعد الحرب. الأولى تضمن أنها تستطيع القتال، والثانية تضمن أن ما يبقى بعد القتال لا يضيع. لكن من العراق إلى أفغانستان، ثم إلى الصراع الإيراني الحالي، اتسعت الفجوة بين هاتين القدرتين أكثر فأكثر.
هذه المرة، ليست المشكلة في ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تدمير مزيد من الأهداف، بل في ما إذا كانت قادرة على تحويل الضربات إلى نتائج سياسية. والواقع الذي تعكسه التقارير واضح: حتى مع كثافة الضربات وقوة النيران، لا يعني ذلك بالضرورة إجبار الخصم على انهيار استراتيجي. وعلى العكس، فالحرب تميل أكثر إلى استنزاف مخزونات الصواريخ والموارد المالية وصبر الحلفاء، من دون أن تفضي بالضرورة إلى مكاسب سياسية واضحة.
وهذا يعني أن التناقض الأساسي في قوة الولايات المتحدة آخذ في التغير. فقد كانت الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة تؤمن بأن التفوق التكنولوجي والتفوق المؤسسي يمكن أن يعززا بعضهما البعض؛ أما الآن، فما يزال التفوق التكنولوجي قائمًا، لكن التنسيق بين المؤسسات والتحالفات بات أصعب فأصعب. وبعبارة أخرى، الولايات المتحدة ليست “غير قادرة على الانتصار”، لكنها باتت تجد صعوبة متزايدة في تحويل معنى الانتصار إلى نظام مستقر.
الشرق الأوسط ينتقل من “الاعتماد على الأمن” إلى “إعادة تسعير المخاطر”
التغيير الحقيقي الذي أحدثته الحرب، أولًا، هو في الحسابات الأمنية لدول الخليج.
لطالما بُنيت العلاقة بين الملكيات الخليجية والولايات المتحدة على مقايضة: توفر الولايات المتحدة الحماية الأمنية، وتوفر دول الخليج استقرار الطاقة، والسيولة المالية، والتنسيق الإقليمي. لكن عندما يثبت الصراع أن الوجود العسكري الأمريكي لا يعني تلقائيًا ضمان الأمن، تبدأ هذه المقايضة بفقدان يقينها.
وهذا مهم بشكل خاص للسعودية وقطر والإمارات وغيرها. فهذه الدول جميعها تمضي في التنويع الاقتصادي، وتسعى إلى نقل المالية والوظائف بعيدًا عن الاعتماد على النفط؛ لكن هذا التحول يحتاج إلى بيئة إقليمية قابلة للتنبؤ. وتذكّرهم الحرب بأن القواعد العسكرية يمكن أن تتمركز، لكن الردع قد لا يكون موثوقًا؛ ويمكن لصفقات السلاح أن تشتري المعدات، لكنها لا تشتري قدرة استراتيجية حقيقية على التحكم.لذلك، فإن ما تواجهه دول الخليج ليس مجرد “اختيار معسكر”، بل إعادة تعريف موقعها في النظام العالمي: فهي تحتاج إلى الحفاظ على الارتباط الأمني مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى هياكل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي السنوات القليلة المقبلة، من المرجح أن تسعى هذه الدول إلى “التحوط المتعدد” أكثر من الاعتماد الأحادي.
قد تكون النافذة الاستراتيجية لإسرائيل تضيق
أحد الآثار العميقة الأخرى لهذه الحرب هو انتكاسة الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران على المدى الطويل. فقد أشارت التقارير إلى أن الحرب بالنسبة لإسرائيل يمكن وصفها تكتيكيًا بأنها نجاح، لكنها استراتيجيًا أقرب إلى الفشل. وهذا التمييز بالغ الأهمية.
على مدى العقدين الماضيين، لم يكن تصوّر إسرائيل لإيران قائمًا على ضربة واحدة قاضية، بل على الضغط المستمر، والعزل الخارجي، وافتراض تغيير النظام، بهدف إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة في نهاية المطاف. لكن الواقع أثبت أن إيران ليست بنية دولة تنهار بسهولة. والأهم من ذلك أن أي خطة تسعى إلى إعادة كتابة السياسة الداخلية الإيرانية مباشرةً عبر الوسائل العسكرية الخارجية باتت تجد صعوبة متزايدة في الحصول على دعم طويل الأمد من المجتمع الأميركي والبيئة الدولية.
إذا كانت إسرائيل تمتلك في السابق رأسمالًا أخلاقيًا واستراتيجيًا كبيرًا في واشنطن، فإن هذه الحرب تُظهر أن هذا الرأسمال ليس غير محدود. فاستقطاب السياسة الداخلية الأميركية، والتعب من التدخلات الخارجية، والخلافات الاستراتيجية بين الحلفاء، كلها عوامل تقلص هامش المناورة أمام إسرائيل لدفع واشنطن نحو مغامرات أشد. وفي المستقبل، قد لا يكون السؤال المهيمن في الشرق الأوسط هو “كيف نوسع الانتصارات العسكرية؟” بل “من سيتحمل كلفة الحوكمة بعد الحرب؟”
ما تراه أوروبا ليس فقط مخاطر الحرب، بل أيضًا ارتدادات اقتصادية وسياسية
لن تبقى هذه المواجهة محصورة في الشرق الأوسط. فوقعها على أوروبا يشبه ضغطًا متأخرًا لكنه مستمر: أسعار الطاقة، وتكاليف النقل، وتوقعات التضخم، وموازنات الدفاع، كلها ستواصل تقليص هامش السياسة الأوروبية على مدى فترة أطول.
وبالنسبة للحكومات الأوروبية التي تواجه أصلًا ضعف النمو، وشدة الضغوط المالية، وتصاعد الشعبوية، فإن أخطر ما في الصدمة الخارجية ليس حجمها في لحظة واحدة، بل قدرتها على تعزيز نوع من الإرهاق السياسي التراكمي. فارتفاع فواتير الطاقة، والضغط على المعيشة، واستياء الناخبين من الحكومة القائمة، غالبًا ما يتحول في الانتخابات إلى عقاب للنخب الحاكمة.
وهذا يعني أن أثر حرب إيران قد لا يظهر في صورة “ردود فعل متسلسلة” جيوسياسية بالمعنى التقليدي، بل في صورة مزيد من الهشاشة داخل البنية السياسية الأوروبية. فحروب الشرق الأوسط بعيدة جغرافيًا عن أوروبا، لكن نتائجها تعود لتدخل السياسة الديمقراطية الأوروبية عبر أسواق الطاقة، والظروف المالية، والمزاج الاجتماعي.
الطائرات المسيّرة والصواريخ والمخزون: الحرب الحديثة تعيد تسعير القدرة الصناعية
تكشف هذه الحرب أيضًا عن اتجاه أطول أمدًا: فالحرب الحديثة لم تعد مجرد منافسة على “قوة نيران أكبر”، بل على “من يستطيع الإمداد بقوة النيران لفترة أطول”.
فالطائرات المسيّرة الرخيصة، وأنظمة الضرب بعيدة المدى، واستهلاك الذخائر، تجعل الحرب أشبه ما تكون بسباق بين الصناعة وسلاسل الإمداد. ومن يملك منظومة إنتاج أكثر مرونة، وقطع غيار أكثر، ومخزونًا أكبر، وقدرة مالية أقوى على التحمل، هو الأقرب إلى امتلاك ميزة الصمود الاستراتيجي.هذا مهمٌّ بشكلٍ خاص بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فما تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى قدرات العالم في البحث والتطوير العسكري وفي الإيصال، لكن في الصراعات عالية الشدة، ليست مخزونات الصواريخ ولا القدرة الصناعية على التعويض ولا الاستدامة المالية أمورًا غير محدودة. وكلما طالت الحرب، ازدادت سهولة تآكل التفوق الاستراتيجي بفعل قيود التكلفة. لقد انتقلت المنافسة بين القوى الكبرى اليوم من سؤال: «من يستطيع أن يضرب أبعد؟» إلى سؤال: «من يستطيع أن يصمد أطول؟»
التغيّر الحقيقي في النظام العالمي: التحالفات لم تعد تلقائية، والترقّب أصبح هو القاعدة
الأمر الأكثر لفتًا للانتباه ليس ما إذا كان أحد الطرفين قد حقق تقدمًا تكتيكيًا قصير الأمد، بل كيف تعيد الدول الأخرى تعلّم هذه الحرب.
في نظر كثير من القوى المتوسطة والدول الإقليمية، كانت الرسالة الصادرة عن هذا الصراع واضحة: الولايات المتحدة لا تستطيع دائمًا تحويل العمل العسكري إلى نظام سياسي؛ والانضمام إلى معسكرٍ ما لا يعني بالضرورة الحصول على أمنٍ مطلق؛ أما الحفاظ على الغموض والمرونة فقد يكون، على العكس، أكثر انسجامًا مع المصالح الواقعية.
وهذا هو جوهر التغيّر في النظام الدولي. فقد كان النظام القديم يقوم على تحالفات واضحة، وردعٍ جليّ، وقواعد مستقرة نسبيًا؛ أما النظام الجديد فيشبه أكثر خريطة مخاطر يُعاد حسابها باستمرار. لم تعد الدول تسأل فقط: «من هو حليفي؟»، بل تسأل: «في الأزمة القادمة، من سيتحمّل التكلفة نيابةً عني؟»
ومن هذا المنطلق، لا تكمن أهمية الحرب الإيرانية بالضرورة في أنها غيّرت الحدود، بل في أنها غيّرت التوقعات. وغالبًا ما يبدأ النظام الدولي بالتحوّل الحقيقي لا لأن حربًا ما كانت ضخمة جدًا في ذاتها، بل لأنها أقنعت عددًا متزايدًا من الأطراف بأن الطرق القديمة لم تعد تنجح.
الخاتمة: الولايات المتحدة ما تزال تستخدم أدوات قديمة، بينما العالم قد غيّر لغته
لقد أثبتت حرب فيتنام أن الولايات المتحدة تستطيع أن تستثمر على الصعيد العسكري بقوة هائلة، لكنها قد تنزلق سياسيًا إلى مأزق. أما الحرب الإيرانية فتوضح أكثر أن الأدوات العسكرية، في نظام عالمي مترابط، لا تنتج تلقائيًا نتائج استراتيجية.
وهذه ليست قصةً بسيطة عن تراجع الولايات المتحدة، بل عن اختلال بين طريقة قوة الولايات المتحدة وواقعها: فهي ما تزال قادرة على ممارسة الضغط، لكنها أصبحت أقل قدرة على تعريف النصر؛ وما تزال قادرة على توجيه الضربات، لكنها أصبحت أقل قدرة على تشكيل النظام؛ وما تزال تملك حلفاء، لكنها أصبحت أقل قدرة على إقناعهم بأن اتباعها يعني مخاطر أقل.
وإذا كانت فيتنام قد جعلت الولايات المتحدة تتعلّم الشك في الحرب، فإن الحرب الإيرانية قد تجعل العالم يتعلّم إبقاء مسافةٍ من قدرة الولايات المتحدة على خوض الحرب. وبالنسبة إلى النظام العالمي، قد يكون هذا أهم من نتيجة معركةٍ واحدة، سواء كانت هزيمة أم انتصارًا.
السجل والحدود · obsrpost
تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.