تحليلات

سباق التكنولوجيا في عصر الأمن الاقتصادي: كيف تستعيد أمريكا تفوقها المستقبلي

من الاعتماد على سلاسل الإمداد إلى السباق في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والتقنيات الحيوية، تواجه الولايات المتحدة لعبة جديدة في الأمن الاقتصادي. يحلل هذا المقال بعمق المخاطر الهيكلية والخيارات الاستراتيجية التي يكشف عنها تقرير CFR.

سباق التكنولوجيا في عصر الأمن الاقتصادي: كيف تستعيد أمريكا تفوقها المستقبلي

بعد عقودٍ من هيمنة الكفاءة باعتبارها العقيدة الوحيدة للعولمة، يدفع العالم الآن الثمن. لم تقطع جائحة كورونا سلاسل التوريد فحسب، بل كشفت أيضًا هشاشة الاعتماد المتبادل العميق؛ وأظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن الطاقة والغذاء يمكن أن يكونا سلاحين استراتيجيين. ومع تراكم هذه الصدمات، أصبح مفهوم الأمن الاقتصادي — الذي كان يومًا ما على هامش الأمن القومي — بسرعةٍ هو المسرح المركزي للمنافسة بين القوى العظمى.

في هذا السياق، يطرح تقرير فرقة العمل المشتركة بين الحزبين الذي أصدره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) مؤخرًا حكمًا جوهريًا: إن الريادة الأمريكية في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والتكنولوجيا الحيوية — هذه التقنيات الأساسية الثلاث للمستقبل — تتعرض للتآكل بفعل منافسة استراتيجية تزداد حدتها، وتأتي الصين في طليعة هذه المنافسة.

تراجع التفوق التكنولوجي

يُظهر تقرير مجلس العلاقات الخارجية (CFR) أنه خلال السنوات العشر الماضية، ضخت الحكومة الصينية ما يصل إلى 900 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الكمومية والتكنولوجيا الحيوية، وأحرزت تقدمًا سريعًا في أداء نماذج الذكاء الاصطناعي والاتصالات الكمومية والابتكار في التكنولوجيا الحيوية. ولا يقتصر هذا اللحاق التكنولوجي الواسع النطاق بقيادة الدولة على ترقية الصناعة، بل يرمي إلى امتلاك "المرتفعات الاستراتيجية" في النظام العالمي المستقبلي.

في المقابل، ورغم أن الميزة الأمريكية ما تزال قائمة، فإنها لم تعد راسخة. فالاستثمارات الخاصة في المجالات الطويلة الأمد وشديدة المخاطر مثل التكنولوجيا الكمومية والتكنولوجيا الحيوية غير كافية، مما يخلق فجوة واضحة في التمويل المبكر. ويشير التقرير على وجه الخصوص إلى أن التمويل المبكر للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية الأمريكية انخفض بنسبة 65% في النصف الأول من عام 2025؛ وفي المجال الكمومي، بلغ الإنفاق الصيني ضعف الإنفاق الأمريكي.

نقاط الاختناق في سلسلة التوريد

الأكثر إثارة للقلق أن اعتماد أمريكا على الصين في سلاسل التوريد الحيوية قد يتحول إلى نقطة ضعف قاتلة في أي صراع مستقبلي. تُظهر البيانات أن 70% من إمدادات أمريكا من العناصر الأرضية النادرة تعتمد على الصين، وتصل نسبة الاعتماد على العناصر الأرضية النادرة الثقيلة إلى 99%؛ وفي مجال الإلكترونيات، يأتي 30% من لوحات الدوائر المطبوعة و60% من المواد الكيميائية من الصين؛ وفي مجال المستحضرات الحيوية، يتركز 80% من المواد الأولية الرئيسية (KSMs) و33% من الطاقة الإنتاجية العالمية للمكونات الصيدلانية الفعالة (API) في الصين، كما أن 80% من شركات التكنولوجيا الحيوية الأمريكية لديها عقد واحد على الأقل مع الصين.

تكشف هذه الأرقام عن خطر هيكلي: أمريكا تطور تقنيات متطورة، لكنها تعتمد في المواد الخام والمكونات الحيوية على منافس محتمل. ويشير التقرير إلى وجود اعتماد على مورد واحد حتى في بعض المكونات المتخصصة في المعدات الكمومية (مثل الثنائيات الليزرية والمرايا ومكبرات الإشارة). وقد صعدت مشكلة "الاختناق" هذه من كونها هشاشة تجارية إلى قضية أمن قومي.

إعادة التوازن بين الأمن الاقتصادي ومنطق السوق

لا تقتصر قيمة تقرير مجلس العلاقات الخارجية (CFR) على تعداد المخاطر، بل تتجاوزها إلى اقتراح مجموعة من مبادئ التدخل. يرى التقرير أن الأساس المعقول لتدخل الحكومة في السوق باسم الأمن القومي يتمثل أساسًا في فشل السوق. وأبرز حالات فشل السوق تأثيرًا على الأمن القومي الأمريكي اليوم هي: أولًا، عدم كفاية استثمارات رأس المال الخاص في المجالات الاستراتيجية؛ وثانيًا، التمركز المفرط لسلاسل التوريد الحيوية في دول غير صديقة.بناءً على ذلك، طرح التقرير سلسلة من التوصيات المحددة: نقل إنتاج المدخلات الرئيسية لأشباه الموصلات إلى الداخل، بما في ذلك المواد الكيميائية ولوحات الدوائر المطبوعة وركائز الدوائر المتكاملة؛ وتسريع تطوير أول حاسوب كمي على مستوى المرافق في العالم من خلال مشتريات وزارة الدفاع؛ وإنشاء شبكة من المراكز الوطنية للتصنيع الحيوي المتقدم، وتمويل الشركات لإنشاء مخزونات أمان لمدة ستة أشهر من KSM وAPI؛ وتوسيع الاحتياطيات الدفاعية وتسريع الموافقات على تراخيص المعادن الحرجة؛ وإنشاء مركز الأمن الاقتصادي في وزارة التجارة لتعزيز التنسيق الحكومي والخبرة التقنية.

وخلف هذه التوصيات يكمن حكم طويل الأجل أكثر عمقاً: القيادة التكنولوجية لا تتعلق فقط بالقدرة التنافسية التجارية، بل تتعلق بسلطة وضع القواعد. وإذا تخلفت الولايات المتحدة، ستتاح لدول أخرى فرصة تشكيل نظام دولي يعكس مصالحها الخاصة. وما إذا كانت الدول الديمقراطية قادرة على بناء المرونة مع الحفاظ على الانفتاح، هو الاختبار الحقيقي لهذه المنافسة.

الخاتمة: من منطق الكفاءة إلى منطق الأمن

إن صعود سياسات الأمن الاقتصادي يعد علامة على تحول العالم من "الكفاءة أولاً" إلى "الأمن أولاً". وهذا التحول ليس نفيًا تامًا للعولمة، بل هو تصحيح استراتيجي موجه ضد مخاطر محددة. بالنسبة للولايات المتحدة، يكمن المفتاح في كيفية إيجاد توازن بين تنمية بيئة الابتكار وسد الثغرات الأمنية. إن الإطار التحليلي الذي يقدمه تقرير مجلس العلاقات الخارجية (CFR) — تحديد إخفاقات السوق، والتدخل الموجّه، وتعزيز القدرات الحكومية — ربما يكون المسار العملي لمواجهة هذا العصر الجديد.

في وقت تتسارع فيه دورة تطوير التقنيات اليوم، يجب على صناع القرار أيضًا مواجهة تحدٍ ديناميكي: فالتقنيات الرئيسية التي يُحددها المرء اليوم قد يحل محلها غدًا اختراقات جديدة. لذلك، فإن إنشاء ترتيبات مؤسسية مرنة أكثر أهمية من السعي إلى تفوق مؤقت. هذه المنافسة حول تقنيات المستقبل هي في الواقع منافسة حول القدرة على الحوكمة والبصيرة الاستراتيجية.

السجل والحدود · obsrpost

تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.

روابط المصادر

  1. https://www.cfr.org/task-force-reports/us-economic-securityاساسي

مقالات ذات صلة

العودة للقناة