الاقتصاد والأسواق

المعادلة الاقتصادية الهندية الجديدة: كيف يعيد انخفاض التضخم وارتفاع النمو كتابة سردية الأسواق الناشئة

كشف المسح الاقتصادي الهندي (2025-26) عن مزيج نادر على مستوى الاقتصاد الكلي: تضخم منخفض تاريخياً يقترن بنمو يقارب 7%. وهذه ليست مجرد نقطة تحول للهند نفسها، بل قد تعيد تعريف مسار التنمية في الجنوب العالمي.

عندما تتصارع معظم الاقتصادات العالمية بين التضخم اللاصق وضعف النمو، قدّمت الهند إجابة تبدو متناقضة: في الفترة من أبريل إلى ديسمبر 2025، انخفض متوسط معدل التضخم إلى 1.7%، وهو أدنى مستوى منذ بدء سلسلة مؤشر أسعار المستهلكين؛ وفي الفترة نفسها، من المتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 7.4%. في المنطق الاقتصادي التقليدي، عادةً ما يكون انخفاض التضخم إشارة إلى ضعف الطلب، بينما غالبًا ما يصاحب النمو المرتفع ضغوط على الأسعار. الهند تكسر هذا الجمود، مما يوحي بأن تركيبة اقتصادية كلية جديدة آخذة في التشكل.

لا يقدّم "المسح الاقتصادي 2025-26" بيانات سنوية فحسب، بل هو بمثابة دليل على قفزة نوعية في مرحلة التنمية الوطنية. لم تعد الهند تعتمد فقط على محرك واحد هو الاستعانة بمصادر خارجية في قطاع الخدمات أو الاستهلاك المحلي، بل أقامت توازنًا جديدًا بين الزراعة والتصنيع والخدمات الرقمية. فقد نما القطاع الزراعي بنسبة 3.1%، مما ساهم في استقرار الدخول الريفية؛ وبلغ نمو إجمالي القيمة المضافة في قطاع التصنيع 9.13% في الربع الثاني، وهو أعلى بكثير من الاتجاه السائد قبل الجائحة؛ وارتفعت حصة الخدمات من الناتج المحلي الإجمالي إلى 53.6%، بينما وصلت حصتها في إجمالي القيمة المضافة إلى مستوى تاريخي بلغ 56.4%. هذا التوسع المتوازي في ثلاثة مسارات جعل النمو الاقتصادي الكامن للهند يُقيَّم بنحو 7%.

والأجدر بالملاحظة هو العوامل المؤسسية الكامنة وراء هذا النمو. فالتزامن بين الضبط المالي والتيسير النقدي لم يكن شائعًا في الأسواق الناشئة سابقًا. ويعكس رفع التصنيف السيادي اعترافًا خارجيًا بمصداقية السياسات الهندية، في حين أن احتياطيات النقد الأجنبي التي بلغت 701.4 مليار دولار، والتي تغطي نحو 11 شهرًا من الواردات، توفر حاجزًا وقائيًا ضد التقلبات العالمية. ولم يأتِ انخفاض التضخم نتيجة لانهيار الطلب، بل جاء من الانخفاض الصحي في أسعار الغذاء والوقود، ومن الأثر التدريجي لترشيد ضريبة السلع والخدمات. وقد خفّض البنك المركزي الهندي (RBI) توقعاته للتضخم للعام المالي الحالي إلى 2.0%، كما قدّم صندوق النقد الدولي تقديرات مماثلة في الاتجاه.

تكشف البيانات التجارية عن تحول في استراتيجية العولمة الهندية. فقد بلغ إجمالي الصادرات مستوى تاريخيًا جديدًا عند 825.3 مليار دولار في السنة المالية 2025، منها صادرات خدمات بقيمة 387.5 مليار دولار، بنمو نسبته 13.6%. وارتفعت حصة الهند في التجارة العالمية للخدمات من 2% في عام 2005 إلى 4.3% في عام 2024، لتصبح سابع أكبر دولة مصدّرة للخدمات في العالم. أما التغيير الأعمق فيكمن في تنويع الشركاء التجاريين — فوفقًا لتقرير الأونكتاد، تحتل الهند المرتبة الثالثة في مؤشر تنوع الشركاء التجاريين بين دول الجنوب العالمي، بعد الصين والإمارات فقط، وتتفوق حتى على جميع دول الشمال العالمي. ويعني هذا التنوع أنه عندما تتعمق الصدوع الجيوسياسية وتُعاد بناء الحواجز الجمركية، تمتلك الهند مساحة أكبر للمناورة.

وتشكل تحويلات المغتربين أيضًا جدارًا وقائيًا فريدًا من نوعه. ففي السنة المالية 2025، تلقت الهند تحويلات بقيمة 135.4 مليار دولار، لتواصل احتلال المرتبة الأولى عالميًا، كما ارتفعت حصة التحويلات القادمة من الاقتصادات المتقدمة، مما يعكس تحول المهاجرين الهنود من العمال ذوي المهارات المنخفضة إلى الكفاءات المهنية. وهذا التدفق العابر للحدود من "العائد الديموغرافي" يوفر دعمًا مستدامًا للاستهلاك المحلي والحساب الجاري.تعيد التغيرات في سوق العمل أيضًا تشكيل سردية النمو الطويل الأجل. بلغ عدد العاملين في الربع الثاني من السنة المالية 2026 (Q2 FY26) 562 مليونًا، بزيادة 870 ألفًا مقارنة بالربع السابق. والأكثر دلالةً أن بوابة e-Shram سجّلت أكثر من 310 ملايين عامل في القطاع غير المنظم، منهم أكثر من 54% من النساء، مما يشير إلى أن السياسات أصبحت تمتد لتشمل فئات كان يصعب الوصول إليها سابقًا. كما نما تشغيل قطاع التصنيع بنسبة 6% على أساس سنوي في المسح الصناعي السنوي للسنة المالية 2024 (FY24)، مضيفًا أكثر من مليون وظيفة. ولم تعد العمالة مجرد توسع في الحجم، بل تحسنًا تدريجيًا في الجودة.

بطبيعة الحال، لا تزال المخاطر قائمة. فقد يؤدي تباطؤ الطلب العالمي، والتوترات الجيوسياسية، وتأثيرات التغير التكنولوجي إلى قطع الدورة الحميدة الحالية. ويتوقع صندوق النقد الدولي عودة التضخم إلى الارتفاع ليبلغ 4.0% في السنة المالية 2027 (FY27)، وهو ما يستلزم بقاء السياسة النقدية في حالة تأهب. وعلى الرغم من أن إمكانات نمو الهند تُقدَّر بنحو 7%، فإن تحقيقها على نحو مستدام يتطلب إصلاحات هيكلية أعمق في قطاعات الأراضي والعمالة والتعليم.

من منظور عالمي، تقدّم الهند نموذجًا يُحتذى به: الجمع بين استقرار الأسعار والنمو المرتفع من خلال التنسيق بين الحذر المالي والانضباط النقدي والسياسة الصناعية. ولا يتطابق هذا المسار مع «النموذج الآسيوي» التاريخي القائم على تحرير الحساب الرأسمالي أو الاستراتيجيات الموجهة نحو التصدير. وتُظهر تجربة الهند أنه في عصر الاقتصاد الرقمي وإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية، يمكن للطلب المحلي والصادرات، والزراعة والصناعة التحويلية، والخدمات التقليدية والتكنولوجيا المتقدمة، أن تشكّل مزيجًا أكثر مرونة. وبالنسبة إلى الجنوب العالمي، قد يمثل ذلك إمكانية جديدة: عدم الاضطرار إلى الاختيار بين النمو والاستقرار.

وفي الوقت الذي يخفض فيه صندوق النقد الدولي توقعات النمو العالمي، ترفع الهند نطاق توقعاتها للسنة المالية المقبلة. وهنا تكمن إشارة واضحة: مركز ثقل الاقتصاد العالمي يواصل التحرك شرقًا وجنوبًا، وتحاول الهند ترسيخ قواعدها وإيقاعها الخاص في هذا النظام الدولي متعدد الأقطاب الجديد. فالمسح الاقتصادي مجرد وثيقة سنوية، بيد أن المنطق السياساتي والتراكم المؤسسي الذي يحمله قد يحددان مستقبل هذا البلد على مدى دورة زمنية أطول، وكذلك الأهمية العالمية لنموذج التنمية الذي يمثّله.

السجل والحدود · obsrpost

تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.

روابط المصادر

  1. https://www.pib.gov.in/PressReleasePage.aspx?PRID=2220800&lang=2&reg=3اساسي

مقالات ذات صلة

العودة للقناة