الاقتصاد والأسواق
من الرسوم الجمركية إلى الذكاء الاصطناعي: منطق التحول في الاقتصاد العالمي عام 2026
يبدو معدل النمو الاقتصادي العالمي في عام 2026 مستقرًا ظاهريًا، لكن هيكل القوى الدافعة له قد شهد تغيّرًا جذريًا. ويُظهر تقرير "النظرة العالمية 2026" الصادر عن دويتشه بنك أن استثمارات الذكاء الاصطناعي حلّت محل التعريفات الجمركية كخط رئيسي، وأن التوسع المالي يعيد تشكيل مسارات الدول، ليدخل العالم دورة جديدة من تبديل المراحل.
من التعريفات الجمركية إلى الذكاء الاصطناعي: منطق تحوّل الاقتصاد العالمي في 2026
عندما أعلنت واشنطن في أبريل 2025 فرض تعريفات جمركية إضافية، كانت الأسواق شبه مستعدة لخوض حرب تجارية طويلة الأمد. لكن تقرير "التوقعات العالمية 2026" الذي أصدره فريق أبحاث دويتشه بنك في 24 نوفمبر كشف عن اتجاه أكثر غرابة: ما يهيمن فعليًا على معنويات السوق، أصبح الذكاء الاصطناعي.
الاستقرار الإجمالي للنمو العالمي يُخفي تحوّلًا في محركات النمو
يتوقع التقرير أن يحقق النمو الحقيقي العالمي في 2026 أرقامًا مماثلة تقريبًا لتلك المسجلة في عامي 2024 و2025. لكن الأهم ليس معدل النمو بحد ذاته، بل إعادة التوزيع الحادة التي تشهدها مصادر النمو. يرى الفريق بقيادة جيم ريد وديفيد فولكرتس-لانداو أن الولايات المتحدة ستُسرّع وتيرتها مجددًا مع تلاشي حالات عدم اليقين التجارية وتعافي دخل الأسر، وستمتد رقعة النمو من الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي إلى مجالات أوسع. أما ألمانيا التي عانت من ركود طويل الأمد، فمن المرجّح أن تشهد التعافي الأكثر دراماتيكية بين الاقتصادات الكبرى، وذلك بفضل تحوّل التحفيز المالي الجديد إلى طلب فعلي. وبعد أن استوعبت بقية مناطق أوروبا عام 2025 القوي نسبيًا، ستستقر وتيرتها تدريجيًا. في المقابل، تعمل الصين على إبطاء سرعتها عمدًا في ظل إصلاحات "مكافحة التعرّض للمنافسة الداخلية المفرطة"، بينما تواصل الهند صعودها الهيكلي، حيث يُتوقع أن تتجاوز اليابان في 2026 لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم.
هذا التفاؤل العام ليس ازدهارًا متوازنًا، بل تجسيدًا لنمو "قائم على التمايز". يبدو أن كل اقتصاد رئيسي يبحث عن مسار نمو مستقل وفق قيوده الاقتصادية الكلية ودوراته السياسية الخاصة.
الذكاء الاصطناعي: المعنى الهيكلي للمسار الرئيسي للسوق
لماذا يُعد الذكاء الاصطناعي متغيرًا سوقيًا أكثر أهمية من التعريفات الجمركية؟ لأن التعريفات الجمركية تؤثر في تدفقات التجارة على المدى القصير، بينما يعمل الذكاء الاصطناعي على تحديد حدود الإنتاجية على المدى الطويل. يبدي فريق أبحاث دويتشه بنك حكمًا واضحًا نسبيًا بشأن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي: بالنظر إلى معدل التقدم التقني الحالي، يصعب تصديق أن هذا لن يتحول إلى نمو في الإنتاجية ذي أهمية فعلية. لكن في الوقت نفسه، لن تتبلور صورة المستفيدين والخاسرين من هذه التقنية إلا بعد عام 2026.
في الولايات المتحدة، قد يُحدث الذكاء الاصطناعي طفرة إنتاجية شبيهة بتلك التي شهدتها التسعينيات، معيدًا إضافة تتراوح بين 0.5 و0.7 نقطة مئوية إلى النمو الاقتصادي سنويًا. وفي أوروبا واليابان، يُراهَن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة شيخوخة السكان والنقص الهيكلي في العمالة. أما في الصين، فهو يتموضع كرافعة أساسية لإنجاز الترقية الصناعية والتخلّص من المنافسة "الملتوية" الداخلية المفرطة. لكن الذكاء الاصطناعي ليس بعد "ثورة مكتملة"، بل تجربة مبكرة ما تزال تنطوي على درجة كبيرة من عدم اليقين. إن عام 2026 هو بالتحديد المرحلة التي تبدأ فيها التقنية والواقع باختبار أحدهما للآخر.
السياسة المالية تعود لتصبح محرك النمو## عودة السياسة المالية لتكون محرك النمو
عندما تبلغ فعالية السياسة النقدية التوسعية طويلة الأمد حدودها القصوى، تعود السياسة المالية إلى قلب المسرح في الاقتصاد العالمي. فقد يرتفع عجز الميزانية الأمريكية إلى 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، ليصبح أساساً للاستقرار الاقتصادي ومصدر قلق للأسواق طويلة الأجل في الوقت نفسه. وأخيراً، غيّرت ألمانيا موقفها المحافظ في السياسة المالية، متجهةً نحو استثمارات توسعية في الدفاع والبنية التحتية. ويشير التقرير إلى أن الطلبيات الدفاعية الكبيرة التي تدفقت إلى المنتجين المحليين وسّعت المضاعف المالي الألماني إلى ما يتجاوز التوقعات، وحفّزت منطقة اليورو بأكملها.
وهذه هي نقطة التحول الحقيقية في حقبة ما بعد الأزمة: إذ تستعيد الديون السيادية شرعيتها الاستراتيجية. ولم يعد الإنفاق المالي موجهاً فقط إلى تخفيف حدة التقلبات الدورية، بل بات يُستخدم لمواجهة الصراعات الجيوسياسية والمنافسة الصناعية والسباق التكنولوجي. غير أن هذا يعني أيضاً أن سوق السندات السيادية ستُمنح وزناً تسعيرياً أكبر، وستفقد صبرها تجاه الأخطاء السياساتية. وتتوقع دويتشه بنك أن يبلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات 4.45% بحلول نهاية عام 2026؛ والمعنى الضمني هو أن السوق ليست مستعدة بعد لقبول عودة حقبة أسعار الفائدة المنخفضة.
صعود أوروبا الدفاعي والضغوط العميقة
يحافظ اقتصاد منطقة اليورو على مرونته في مواجهة الضغوط الخارجية. فقد بلغ النمو نحو 1% في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 1.5% في عام 2026 (على أساس سنوي في الربع الرابع)، وذلك بفضل الدعم المالي، وتعافي الدخول الحقيقية، والآثار غير المباشرة لبعض الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. بيد أن أوروبا لا ينبغي أن تركن إلى الراحة. فالتكلفة المباشرة للرسوم الجمركية الأمريكية تُقدَّر بنحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تؤثر في النصف الثاني من عام 2025 والنصف الأول من عام 2026. وإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد الهيكلي المزدوج على الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن الضغط الناتج عن احتياجات الإنفاق الدفاعي في وقت ترتفع فيه العجوزات، يجعل مسار النمو طويل الأجل في أوروبا مليئاً بالضجيج.
أما التحدي الأكثر خطورة فيكمن في الانكماش في جانب العرض الناجم عن تشدد أسواق العمل وشيخوخة السكان. وسيؤدي هذا إلى ضغوط تضخمية صاعدة مستمرة، وقد يدفع التضخم الأساسي إلى تجاوز 2% مجدداً في عام 2028. وقد قرر البنك المركزي الأوروبي البقاء في موقف الانتظار والترقب، بحيث لا يُقدم على أول رفع لأسعار الفائدة إلا في منتصف عام 2027. ويمثل هذا شكلاً جديداً من إدارة التوقعات: التسامح مع تضخم أعلى من المستهدف، إلى جانب الأمل في أن تسدَّ الإصلاحات الهيكلية في المالية العامة فجوة الإنتاجية.
أسعار الفائدة لدى البنوك المركزية: قد يكون الصبر أكثر السياسات تكلفةً
ستتباين خطوات البنوك المركزية العالمية بشكل أكبر في عام 2026. فمن المتوقع أن يخفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتين إضافيتين، لتنخفض إلى أقل من 3.5% قبل نهاية العام، لكن ما سيأتي بعد ذلك سيتوقف على التوجهات السياساتية للقيادة الجديدة ومساحة استقلاليتها. ويختار البنك المركزي الأوروبي عدم التحرك، مع إبقاء سعر الفائدة الأساسي عند 2% في الأمد المتوسط. وتعكس هذه المماطلة نهج الانتظار والترقب تجاه التوسع المالي وحالة عدم اليقين الجيوسياسي.
وفي ظل عودة التضخم إلى «الوضع الطبيعي الجديد»، تواجه سلطة البنوك المركزية تحديات. سواء تعلق الأمر بالقيود المفروضة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي داخل الولايات المتحدة، أو بما يفرضه التشرذم السياسي في الاتحاد الأوروبي من كبحٍ للإصلاحات الهيكلية، فإن هذه العوامل مجتمعةً ستغيّر نطاق ما يمكن للسياسة النقدية الاعتماد عليه. لم يعد التضخم إلى مستويات ما قبل الجائحة، بيد أن صنّاع السياسات يبدون مستعدين للمضي قدماً في ظل توقعات تضخم أعلى.
الدلالات العميقة لتباطؤ الصينمن المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني إلى 4.5% في عام 2026. وهذه ليست سردية «الحفاظ على النمو» التي اعتادتها الأسواق في الماضي، بل نتيجة لإصلاحات مكافحة «التنافس المحموم» وإعادة ضبط جانب العرض. ومع انحسار العائد الهامشي لسياسات تحفيز الاستهلاك، توجّه الحكومة مزيدًا من الاهتمام إلى ضبط المنافسة بين الشركات، والحد من التوسع غير المجدي، وتحسين بيئة الأسعار. ومن المتوقع أن يتعافى التضخم تدريجيًا، بحيث يصل ارتفاع أسعار المستهلكين إلى 1.5%، وتعود أسعار المنتجين إلى المنطقة الإيجابية في النصف الثاني من عام 2026. وبالنسبة إلى العالم، فإن تباطؤ الصين لا يعني بالضرورة انهيار الطلب، بل قد يكون محاولة للانتقال من النمو الكمي إلى النمو النوعي. وتكشف النبرة العامة للسياسات في «الخطة الخمسية الخامسة عشرة» أن بكين أصبحت أكثر ثباتًا من الماضي في تقييمها لقدراتها التكنولوجية ومرونة اقتصادها.
الهند: نقطة تحوّل لدخول قلب سردية النمو العالمية
قد يبدو تجاوزُ الهندِ اليابانَ لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم حدثًا رقميًا فحسب، لكنه يمثّل نافذة تاريخية تتشكل من تلاقي البنية الديموغرافية، والاستعانة بمصادر خارجية في المجال التقني، والبنية التحتية، وأسواق رأس المال. ومن منظور زمني أوسع، قد يكون عام 2026 علامة فارقة في انتقال مركز ثقل الاقتصاد العالمي. وإذا تمكنت الهند من احتلال مركز ثالث أكبر اقتصاد بحلول عام 2028، فسيعني ذلك أن أنماط الطلب العالمية وتوزيع سلاسل الإنتاج ستشهد مزيدًا من تعدّد الأقطاب.
الدورة المقبلة تحددها البُنى
وحين تُجمَّع قطعُ هذه الفسيفساء من الاقتصادات الوطنية جنبًا إلى جنب، يبدو عام 2026 خاليًا على السطح من أزمة كبرى، وغير محتاج إلى اختراقات سياساتية «منقذة»، لكنه يشهد في كل مكان خروج النماذج القديمة وبزوغ نماذج جديدة. فالتعريفات الجمركية، بصفتها متغيرًا سطحيًا، يطغى عليها إرادةٌ مالية أكثر عمقًا وثورةٌ تكنولوجية؛ كما أن التوزيع الجغرافي للنشاط الاقتصادي، والسقوف العليا لأسعار الفائدة، والحدود المرسومة لسياسات الصناعة، كلها تتغير في الوقت نفسه.
أما بالنسبة إلى المستثمرين وصنّاع السياسات، فقد لا يكون التمرين الأهم في عام 2026 هو توقع حالات الركود أو التضخم، بل تحديد القوى التي ستشكّل دورة النمو المقبلة. وقد ضبط فريق أبحاث دويتشه بنك إيقاع عام 2026 بعبارة "never a dull moment"، مذكّرًا الناس: العالم لن يصبح رتيبًا لمجرد غياب الأزمات، بل إن هذا التحول المعقّد هو الذي سيحدد الفائزين والخاسرين في السنوات القادمة.
السجل والحدود · obsrpost
تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.