البنية التحتية والتنمية
الحدث الكبير والفاتورة: التحول المالي العالمي لحق استضافة الألعاب الأولمبية
من سداد ديون مونتريال لثلاثين عامًا إلى الاستضافة المشتركة لميلانو-كورتينا، أصبح حق استضافة الألعاب الأولمبية يتحول من مجد عالمي إلى عبء مالي. يحلل هذا المقال الأسباب الهيكلية لفقدان السيطرة على التكاليف، ولماذا يصعب على إصلاحات الحوكمة الدولية كسر هذا المأزق.
في عام 2024، أعلنت حكومة مقاطعة كيبيك الكندية أنها ستستثمر 870 مليون دولار لاستبدال سقف الملعب الأولمبي في مونتريال. وهذه هي المرة الثالثة التي يُستبدل فيها سقف هذا الملعب. بُني الملعب عام 1976، ويُلقب بـ"O الكبير" — وغالباً ما يُطلق عليه ساخراً "Big Owe"، أي "الكثير من الديون". قبل نصف قرن، كانت تكلفة الألعاب الأولمبية الصيفية بميزانية لا تتجاوز 124 مليون دولار فقط، لكنها حمّلت دافعي الضرائب في مونتريال ديوناً تبلغ نحو 1.5 مليار دولار، واستغرق سدادها ثلاثين عاماً كاملة. واليوم، لا يزال هذا المبنى الذي يُعتبر معلماً من معالم مونتريال يستهلك الموارد العامة في الدفاتر المالية على شكل نفقات صيانة.
لم تكن الألعاب الأولمبية أبداً مجرد كرنفال تقيمه مدينة لنفسها، بل كانت دائماً جزءاً لا يتجزأ من التنافس على القوة الوطنية والمكانة العالمية. لكن منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تحول هذا التنافس تدريجياً إلى لعبة عالية التكلفة. وقدّرت دراسة لجامعة أكسفورد عام 2024 أن متوسط تكلفة استضافة الألعاب الأولمبية منذ عام 1960 بلغ ثلاثة أضعاف الميزانية المقدمة في ملف الترشح. فالتجاوز الكبير في التكاليف لم يعد حادثاً هندسياً عرضياً، بل أصبح سمة مؤسسية للأحداث الرياضية الكبرى. من ميونيخ إلى مكسيكو سيتي، ومن مونتريال إلى طوكيو، أدت متطلبات الأمن، وفترات البناء، ومواصفات الملاعب، والمتطلبات السياسية، معاً، إلى دفع تكاليف الاستضافة إلى أرقام فلكية.
حدث التحول في عام 1984. كانت لوس أنجلوس المدينة الوحيدة التي تقدمت بطلب الاستضافة في ذلك العام، مما منحها ورقة تفاوض نادرة. لم تكن بحاجة تقريباً إلى بناء ملاعب دائمة جديدة، بل اعتمدت على المرافق القائمة لإقامة الدورة. وبسبب الارتفاع الحاد في إيرادات حقوق البث التلفزيوني، حققت لوس أنجلوس في النهاية فائضاً تشغيلياً بلغ نحو 215 مليون دولار. بدا أن "استضافة الألعاب الأولمبية بشكل متحفظ" هي الطريق المجدي. لكن اللجنة الأولمبية الدولية رأت بعد ذلك فرصة معاكسة: فطالما يمكن إغراء المزيد من المدن للمشاركة في المنافسة، يمكن بيع حق الاستضافة بسعر مرتفع. وهكذا ارتفع عدد المدن المتقدمة للاستضافة من مدينتين في عام 1988 إلى 12 مدينة في عام 2004، كما زادت طلبات الاقتصادات النامية لاحقاً إلى أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل عام 1988.
في مثل هذا الهيكل التنافسي العالمي، نشأت بين المدن المتقدمة بملفات الترشح واللجنة الأولمبية الدولية ديناميكية تُعرف بـ"لعنة الفائز": فلكي تتفوق على المرشحين الآخرين، تميل المدن إلى تقديم خطط أضخم وأكثر تكلفة وأقل واقعية؛ وبما أن اللجنة الأولمبية الدولية تملك حق الاختيار، فهي تفضّل بطبيعة الحال الخطط القادرة على توفير أكبر قدر من التمويل والمشاريع الضخمة. تُظهر البيانات العامة أن سوتشي أنفقت أكثر من 50 مليار دولار على دورة الألعاب الشتوية لعام 2014؛ ورصدت بكين ميزانية تبلغ نحو 45 مليار دولار لدورة ألعاب 2008، ذهب أكثر من نصفها إلى الطرق والسكك الحديدية والمطارات ومشاريع البيئة. لم تتحول هذه الأموال الطائلة بعد انتهاء الدورة إلى مكاسب طويلة الأجل يمكن للمواطنين العاديين الاستفادة منها، بل خلّفت وراءها مجموعة من المنشآت الضخمة التي يطلق عليها "الأفيال البيضاء" — فهي هياكل عملاقة ذات استخدام واحد، وتحتاج كل عام إلى نفقات صيانة باهظة.كانت الاقتصادات الناشئة تنظر إلى الألعاب الأولمبية يوماً ما باعتبارها مسرحاً احتفالياً لنهضة الأمم. فبكين 2008 وسوتشي 2014 وريو 2016 كانت، إلى حد ما، عروضاً للتنمية الاقتصادية والثقة الوطنية. بل إن البرازيل وروسيا ربطتا مشاريع البنية التحتية الكبرى بالأولمبياد سعياً لدفع عجلة التحديث الحضري. لكن إذا ما نظرنا إلى مدى زمني أطول، سنجد أن العائدات الحدية لمشاريع "الهيبة" هذه تراجعت بشكل كبير. فقد أدى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وتصاعد ضغوط الديون العامة، وارتفاع المطالب الاجتماعية المحلية إلى إضعاف مشروعية الإنشاءات الضخمة. وفي الوقت نفسه، أصبح النظام الدولي أكثر تسطحاً وانتشاراً، فلم يعد البلد بحاجة إلى شارة رياضية عالمية ليحظى بحضور ملموس.
كما حاولت اللجنة الأولمبية الدولية إجراء إصلاحات. فبعد عام 2019، تم تبسيط إجراءات الترشح، وإطالة الأطر الزمنية، والسماح لمدن أو مناطق أو حتى دول مختلفة بالمشاركة في الاستضافة المشتركة. ومن المقرر أن تكون دورة الألعاب الشتوية في ميلانو وكورتينا عام 2026 أول حالة حقيقية "للاستضافة المشتركة بين مدينتين"، مع خطط للاستفادة بشكل كبير من المرافق القائمة وفائض معدات أولمبياد باريس. ويُعد هذا تنازلاً عن النموذج القديم. لكن ما يزيد الإحراج للجنة الأولمبية هو أن عدد المنافسين لم يتعافَ نتيجة لذلك. فقد فازت بريزبن الأسترالية بدورة الألعاب الصيفية لعام 2032 دون أي منافس، لتصبح أول مدينة مضيفة تُمنح الألعاب "دون منافسة" منذ لوس أنجلوس عام 1984. وهذا يدل على أن الإصلاحات خفّضت فقط عتبة الترشح، لكنها لم تحل التناقض الأساسي: فالحجم الهائل للألعاب الأولمبية نفسها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنموذج الإيرادات التجارية للجنة الأولمبية الدولية.
من منظور خارجي، تعتمد إيرادات اللجنة الأولمبية الدولية على حقوق البث والرعاة العالميين وحجم الأحداث. فالحفاظ على نفوذها كمنظمة عالمية يتطلب إبقاء الألعاب الأولمبية في موقع "القمة"؛ وأي تخفيف حقيقي لأعباء المدن المضيفة يتطلب تقليص الحجم وخفض مستوى البذخ. لكن هذين الهدفين يتعارضان بنيوياً مع بعضهما البعض. وهذه ليست مجرد مشكلة خاصة بالأولمبياد، بل هي معضلة مشتركة تواجهها العديد من منظمات الحوكمة العالمية في خضم التحولات العصرية: فمصالح المؤسسة الذاتية في بقائها غالباً ما تشكل الحدود الفاصلة للإصلاح. وعندما تتحول "احتفالية عالمية" إلى "فاتورة تقع على عاتق المدينة"، فإن تراجع الرغبة في الترشح لم يعد مجرد مزاج مؤقت، بل هو حكم مالي عالمي جديد تماماً.
بهذا المعنى، قد ينذر اختيار ميلانو-كورتينا وبريزبن بمستقبل أكثر واقعية: تنظيم الأحداث بتعاون إقليمي، وإلزامية جرد الفواتير البيئية، واستغلال المرافق القائمة بشكل كامل، والبقاء في موقف متشكك من المباني الدائمة. لن تختفي الأحداث الرياضية الكبرى، لكن حق الاستضافة لن يعد مجرد شرف، بل سيُعامل كاستثمار عام طويل الأجل يتطلب تقييماً دقيقاً. فقبل نصف قرن، دفع مونتريال ثمناً باهظاً من أجل "المظهر"؛ أما اليوم، فقد تعلّمت مدن متزايدة أن تحسب أولاً "الجوهر". وفي اللحظة التي يُعاد فيها تشكيل النظام السياسي والاقتصادي العالمي، لا يمكن لأي حدث كبير أن يظل بمعزل عن الواقع المالي.
السجل والحدود · obsrpost
تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.