الاقتصاد والأسواق
هل يدخل الاقتصاد الأمريكي في "الركود المنخفض، والتضخم المرتفع" كواقع جديد؟
في ظل خفض تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الأول، بينما ظل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) أعلى من الهدف، لا يرى السوق مجرد تقلب اقتصادي عادي، بل مزيجًا هيكليًا أكثر تعقيدًا: تباطؤ النمو وتزامن ضغوط الأسعار. هذا الوضع يعيد تشكيل هامش السياسة المتاح للاحتياطي الفيدرالي، ومنطق تسعير الأصول، وتدفقات رأس المال العالمية.
هل يدخل الاقتصاد الأمريكي في “الركود المنخفض النمو وارتفاع التضخم” كالوضع الطبيعي الجديد؟
إن أحدث البيانات الكلية التي أعلنتها الولايات المتحدة ليست دراماتيكية، لكنها بالغة الأهمية: فقد جرى تعديل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول بالخفض إلى 1.6%، وهو أدنى من التقدير الأولي السابق البالغ 2.0%؛ وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) في أبريل بنسبة 3.8% على أساس سنوي، مسجلاً أحد أكبر الارتفاعات منذ مايو 2023، بينما ارتفع مؤشر PCE الأساسي، المستثنى منه الغذاء والطاقة، بنسبة 3.3% على أساس سنوي.
ظاهرياً، لا يبدو الأمر سوى إعادة معايرة اعتيادية في الاقتصاد الأمريكي. لكن إذا وُضع في إطار دورة أطول، يتضح أن المشكلة ليست في ما إذا كان “التضخم في شهر معيّن أشدّ سخونة”، بل في أن الولايات المتحدة تواجه مزيجاً كلياً أكثر صعوبة في الإدارة: النمو يتباطأ، لكن الأسعار لا تتراجع بسلاسة وفق المسار الذي صُممت له السياسات.
هذا النوع من المزيج ليس نادراً في الكتب الدراسية، لكنه في الواقع غالباً ما يكون الاختبار الأصعب للنظام السياسي. فهو يعني أن السياسة النقدية لا تستطيع التحول بسهولة نحو التيسير، لأن التضخم لا يزال أعلى من الهدف؛ لكنه يعني أيضاً أن الأثر الهامشي لسياسات التشديد يتضاءل، لأن النشاط الاقتصادي بدأ يفقد زخمه. وبالنسبة إلى بلد يُصدر عملة الاحتياط العالمية، فهذه ليست مجرد مسألة دورة اقتصادية داخلية، بل مسألة تمتد آثارها إلى تغير الأوضاع المالية العالمية.
ما يستحق الانتباه أكثر ليس “ارتفاع التضخم”، بل “خفض تقديرات النمو”
غالباً ما تتفاعل الأسواق بحساسية أكبر مع بيانات الأسعار، لأنها تؤثر مباشرة في توقعات مسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي. لكن من الناحية الهيكلية، فإن ما يستحق اهتماماً أكبر في هذه المجموعة من البيانات هو خفض تقديرات الناتج المحلي الإجمالي.
فبحسب التقدير الثاني لمكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأمريكية، جرى خفض معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من 2.0% إلى 1.6%، وجاء هذا التعديل نتيجة خفض تقديرات استثمار المخزون والإنفاق الاستهلاكي. وبعبارة أخرى، فإن الركيزتين التقليديتين اللتين تدعمان صمود الاقتصاد الأمريكي — مخزونات الشركات واستهلاك الأسر — أظهرتا قوة أقل من المتوقع.
وهذا يدل على أن الاقتصاد الأمريكي ليس في مسار مريح من نوع “سخونة زائدة ثم تبريد بطيء”، بل يبدو أنه يدخل مرحلة تتراجع فيها حيوية الطلب تدريجياً. ففي السنوات الماضية، كان أحد أهم أسباب صمود الاقتصاد الأمريكي مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة هو قوة سوق العمل، والأثر المتبقي للتيسير المالي، وإصلاح الميزانيات العمومية للشركات والأسر. لكن مع تلاشي هذه الدعامات تدريجياً، بدأ معدل النمو يكشف عن اتجاهه المتوسط الأجل بصورة أوضح: ليس انهياراً، بل تباطؤاً.
وفي الوقت الذي يتباطأ فيه النمو، يبقى تضخم PCE فوق 3%، وهو ما يضيق مجال السياسات أكثر. فإذا كان التضخم قد اقترب من 2%، لكان بمقدور الاحتياطي الفيدرالي أن يوجّه اهتمامه أكثر نحو النمو؛ وإذا كان النمو لا يزال قوياً، لكان بإمكانه الاستمرار في الإبقاء على أسعار فائدة أعلى. لكن المشكلة أن أياً من الأمرين لا يقدم الآن إجابة سهلة.
إنها حالة من “الاقتصاد ما بعد الجائحة”
يمكن فهم المعضلة الكلية الراهنة في الولايات المتحدة، إلى حد كبير، على أنها بقايا لم تنتهِ بعد من مرحلة ما بعد الجائحة.بعد الجائحة، مرّ الاقتصاد العالمي بإعادة هيكلة لسلاسل الإمداد، وتوسع مالي، وإعادة توزيع في سوق العمل، وتقلبات في أسعار الطاقة. ورغم أن الولايات المتحدة تعافت أسرع من أوروبا وبعض الاقتصادات الآسيوية، فإن ذلك أدى أيضاً إلى تراكم قدر أكثر تعقيداً من لزوجة الأسعار. ولا تزال أسعار السكن، والخدمات، والتأمين، والرعاية الصحية، والنقل، وبعض السلع المعمرة، تجد صعوبة حتى اليوم في العودة إلى المسار المستقر الذي كانت عليه قبل الجائحة.
وهذا يعني أن التضخم لم يعد مجرد نتاج صدمة سلعية واحدة، بل أصبح يتغلغل تدريجياً في قطاع الخدمات، والأجور، والإيجارات، وأنظمة تسعير الشركات. وبالنسبة لصانعي السياسات، فإن هذا النوع من التضخم أصعب في خفضه بسرعة، لأنه لا يعكس فقط «سخونة مفرطة في الطلب»، بل يعكس أيضاً تحولات طويلة الأمد في العمل، واللوجستيات، والإسكان، وهيكل تكاليف الشركات.
وفي الوقت نفسه، لم يعد النمو قادراً على الاعتماد ببساطة على منطق التوسع السابق. فبيئة أسعار الفائدة المرتفعة تغيّر قرارات الإنفاق الرأسمالي، وتمويل العقارات، وسلوك الائتمان لدى المستهلكين. وبعبارة أخرى، لم يعد الاقتصاد الأميركي قد عاد إلى عالم العقد 2010 الذي اتسم بتضخم منخفض، وفائدة منخفضة، ورأس مال منخفض التكلفة، بل إنه يتكيف مع حالة كلية جديدة: أموال أغلى، وأسعار أكثر تقلباً، وتوسع أكثر حذراً.
الاحتياطي الفيدرالي يواجه ليس صدمة بيانات واحدة، بل اختبار ضغط جديداً للإطار السياساتي
في مثل هذه البيئة، لا تكمن صعوبة الاحتياطي الفيدرالي في تفسير تقلبات البيانات لشهر أو شهرين، بل في كيفية الحفاظ على مصداقية السياسة.
فإذا خُفِّضت أسعار الفائدة مبكراً جداً، قد يفسر السوق ذلك على أنه تسامح مع مخاطر عودة التضخم للارتفاع؛ وإذا استمرت الفائدة المرتفعة مدة أطول من اللازم، فسيؤدي ذلك إلى مزيد من الضغط على النمو الذي تباطأ أصلاً. وبالنسبة للبنك المركزي، فإن السيناريو الأسوأ ليس التضخم المرتفع بحد ذاته، بل اجتماع التضخم المرتفع مع النمو المنخفض، لأن هذا يجعل السياسة النقدية عرضة في الوقت نفسه لانتقادين متعاكسين: من جهة إنها لم تكبح الأسعار، ومن جهة أخرى إنها أضرّت بالاقتصاد.
ولهذا السبب لا تكون البيانات الكلية الأميركية شأناً محلياً أميركياً فقط. فكل تعديل في المسار السياسي للاحتياطي الفيدرالي ينتقل إلى العالم عبر سعر صرف الدولار، ومنحنى العوائد العالمي، وتكاليف التمويل عبر الحدود، وتسعير الأصول عالية المخاطر.
حالياً يبلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 4.48%، ولأجل سنتين نحو 4.04%، ما يشير إلى أن السوق لا يزال ينظر إلى بيئة الفائدة بحذر. كما أن ضعف افتتاح الأسهم وتراجع مؤشر الدولار بشكل طفيف يعكسان أيضاً أن المستثمرين لا يرون في هذه البيانات إشارة واضحة إلى «خفض أسرع للفائدة». والرسالة الحقيقية التي استوعبها السوق هي أن الاقتصاد يبرد، لكنه لا يبرد بالقدر الكافي لتختفي مشكلة التضخم تلقائياً.
التأثير العالمي غالباً ما يكون أعمق من الأثر داخل الولايات المتحدة نفسها
إن أهمية البيانات الكلية الأميركية تتجاوز في الغالب الداخل الأميركي. فبالنسبة لأوروبا، فإن بقاء أسعار الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول سيواصل تعزيز اتجاه عودة رؤوس الأموال إلى الأصول الدولارية، ويحد من هامش المناورة أمام السياسة الأوروبية. وبالنسبة لليابان، لا يزال الين تحت الضغط في ظل منطق فروق أسعار الفائدة، كما تصبح وتيرة تطبيع السياسة النقدية أكثر صعوبة في الانفصال عن البيئة الخارجية. أما بالنسبة للأسواق الناشئة، فإن ارتفاع الفائدة الدولارية يعني ارتفاعاً في كلفة تمويل الديون الخارجية، وتشديداً في أوضاع تدفق رؤوس الأموال، وزيادة في ضغوط هشاشة استقرار العملات المحلية.
ولهذا السبب، فإن تغيّر تركيبة التضخم والنمو في الولايات المتحدة يتحول سريعاً إلى إعادة تسعير في أسواق المال العالمية.في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وبعض الاقتصادات الأفريقية، حاول صانعو السياسات في السنوات الأخيرة إيجاد توازن بين «دعم النمو» و«استقرار سعر الصرف». لكن ما دامت الولايات المتحدة تحافظ على أسعار فائدة مرتفعة، فإن هذه الاقتصادات ستضطر إلى تحمل تكاليف أعلى للاحتفاظ برؤوس الأموال. ويبدو أن النظام المالي العالمي يتجه نحو التشتت، لكنه في الواقع لا يزال يعمل بدرجة عالية حول سعر الفائدة على الدولار.
ومن هذا المنظور، فإن خفض تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الأول وبقاء تضخم PCE عند مستويات مرتفعة ليسا مجرد إشارة إلى دورة اقتصادية كلية، بل يبدوان كدليل على أن النظام المالي العالمي لا يزال يعمل وفق إيقاع السياسات الأمريكية.
إن عصر التضخم المنخفض القديم يبتعد تدريجيًا
على مدى أكثر من عشرة أعوام، اعتاد المستثمرون العالميون على افتراض واحد: التضخم المنخفض يمنح البنوك المركزية مجالًا أوسع للمناورة، والأسعار المنخفضة للفائدة تدعم تقييمات الأصول، والعولمة تخفض تكاليف السلع والتصنيع، بينما يؤدي التقدم التكنولوجي إلى مزيد من الضغط الهبوطي على الأسعار.
لكن هذا الافتراض يجري إعادة كتابته الآن.
فالتوترات الجيوسياسية، وإقليمية سلاسل الإمداد، وتكاليف التحول في الطاقة، وعودة السياسات الصناعية، وتغير البنية في أسواق العمل، وكذلك إعادة توزيع الإنفاق الرأسمالي بفعل الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، كلها تجعل العلاقة بين التضخم والنمو أكثر تقلبًا. وبعبارة أخرى، لم يعد العالم قد عاد إلى بيئة التضخم المرتفع على طريقة سبعينيات القرن الماضي، لكنه لم يعد قادرًا أيضًا على العودة إلى «فترة الاستقرار منخفض التضخم شبه الخالية من المخاطر» التي ميزت عقد 2010.
وما توضحه البيانات الأمريكية هذه المرة هو بالضبط هذه الحالة الانتقالية: التضخم لم يُروَّض بالكامل، والنمو لم يعد قويًا بما يكفي لإخفاء المشكلات. ولذلك يتعين على السياسات والأسواق والشركات أن تتخذ قراراتها في ظل قدر أكبر من عدم اليقين.
بالنسبة للشركات والمستثمرين، ليست الفائدة هي المهم فقط، بل تغير هيكل تكلفة رأس المال
إذا كانت الشركات خلال السنوات القليلة الماضية تهتم أساسًا بسؤال «هل يمكن الحصول على التمويل أم لا؟»، فإن الأهم اليوم هو «هل ستظل تكلفة التمويل مرتفعة لفترة طويلة؟».
وهذا أمر بالغ الأهمية خصوصًا بالنسبة لتقييمات الشركات المدرجة، وأنشطة الاندماج والاستحواذ، وتطوير العقارات، ومشروعات البنية التحتية، والاستثمار في التكنولوجيا. فارتفاع الفائدة لا يؤثر فقط في سوق السندات، بل يغيّر أيضًا قرارات الشركات بشأن المخزون، وإعادة شراء الأسهم، والتوسع، والتسريح. كما أن خفض إنفاق المستهلكين يعني أن شركات التجزئة والسلع المعمرة وبعض قطاعات الخدمات قد تواجه مرونة طلب أضعف؛ وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التضخم المرتفع يجعل تمرير التكاليف أكثر لزوجة.
في مثل هذه البيئة، لم تعد الأسواق تكافئ ببساطة نماذج الأعمال التي تعتمد على التمويل الرخيص للتوسع، بل أصبحت تفضل الشركات ذات التدفقات النقدية المستقرة، والقدرة القوية على التسعير، والميزانيات العمومية السليمة. وسوف يتعمق تباين أسواق رأس المال، بحيث يزداد الأقوياء قوة، وتصبح فرص التمويل أصعب على الضعفاء.
هذا ليس انعطافًا قصير الأجل، بل تذكير بمرحلة جديدة
إذا نظرنا إلى بيانات ربع واحد فقط، فإن الاقتصاد الأمريكي لم يدخل في ركود، ولم يعد إلى تضخم خارج السيطرة. لكن إذا نظرنا إلى الصورة الهيكلية، فإن هذه البيانات تكفي لتوضيح أمر واحد: الولايات المتحدة تدخل مرحلة كلية أصعب إدارة.
فالنمو ليس قويًا بما يكفي لامتصاص تشديد السياسة النقدية براحة، والتضخم ليس منخفضًا بما يكفي للسماح بخروج طبيعي للسياسة. وهكذا يعلق الاقتصاد في المنطقة الوسطى، فلا يسمح بتفاؤل مفرط، ولا يدعم انتقالًا سريعًا نحو التيسير.بالنسبة للعالم، فإن هذه «المنطقة الوسطى» أهم من الازدهار أو الركود الواضحين. لأنها ستجعل السياسة النقدية أكثر حذراً، وتُبقي تكلفة رأس المال مرتفعة لفترة أطول، وتشدّ السيولة العالمية، وتجعل الأصول المحفوفة بالمخاطر أكثر انتقائية، كما ستواصل إعادة تشكيل طريقة تسعير الأموال من نيويورك إلى سنغافورة، ومن لندن إلى ساو باولو.
البيانات التي أعلنتها الولايات المتحدة هذه المرة لم تذكّر السوق في الحقيقة برقم بعينه، بل بحقيقة أعمق: إن النظام الكلي في مرحلة ما بعد الجائحة لا يزال غير مستقر، وإن الافتراضات القديمة الخاصة بانخفاض التضخم قد فقدت صلاحيتها، بينما لم يتبلور التوازن الجديد بالكامل بعد.
دلالة مرجعية
في عالمٍ اقتصادي يعتمد على إشارات السياسات، وتدفقات رأس المال، وتوقعات الأسعار بصورة متزايدة، فإن كل تعديل في بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي وكل قراءة للتضخم يعيدان صياغة الظروف المالية للعالم. والمشكلة ليست فقط ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخفض أسعار الفائدة أم لا، بل ما إذا كان الاقتصاد العالمي قد دخل بالفعل عصرًا أطول وأعلى تكلفةً وأكثر اختلالًا لرأس المال.
السجل والحدود · obsrpost
تضع obsrpost هذه الملاحظة ضمن أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات - ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. أبرز الأخبار / موجز المدن / تحديثات السياسات يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.